منتديات الادب العربي

منتدى ادبي عام


    البيان والتبين (( ثقافة عصر مضى )) (( رؤية حضارية معاصرة )) بيداء ناصر

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 9
    تاريخ التسجيل : 31/12/2010

    البيان والتبين (( ثقافة عصر مضى )) (( رؤية حضارية معاصرة )) بيداء ناصر

    مُساهمة  Admin في السبت فبراير 12, 2011 8:56 am

    البيان والتبين (( ثقافة عصر مضى )) بيداء ناصر
    (( رؤية حضارية معاصرة ))

    قليلة هي الأعمال التي تمثل أصحابها تمثيلاً يصل الى حد التطابق أحياناً والسبب في ذلك يعود الى أن الكاتب عند قيامه بأي عمل كتابي انما يعبر عن حركة واحدة او مجموعة حركات ذهنيه تمثل جزءً من تفكيرهِ وليس تفكيره كلهُ ، ويمثل البيان والتبين هذه الندرة التي يتطابق فيها الكاتب مع عمله اذ انه "سيرة ذهنية" تؤرخ وعي الجاحظ ،فالجاحظ في جميع مؤلفاته يحاول أن يصل نقطة التطابق هذه وقد تمكن في كتابه البيان والتبين من الوصول الى هذه النقطة ، ولو استعرضنا طريقة الجاحظ في التأليف استعراضاً موجزاً نجد أنه يحاول ان يقدم موضوعه بطريقة لاتثقلُ على نفسية وذهنية قراءه ، فنراه يلجأ الى الاستطراد والانتقال المرن من موضوع الى موضوع اخر مقدماً بين يدي قراءة حديقة ثقافية متنوعة الثمار والازهار وهذه طريقة نجدها في جميع مؤلفاته ومنها البيان والتبين اذ يمثل كتاب البيان والتبين درة التاج من مؤلفات الجاحظ وهو على الرغم من كونه لايمثل حاله استثنائية لاسلوب صاحبه في الكتاب الا ان اهميته تكمن في انه وثيقة ثقافية حفظت الكثير من نصوص النثرالعربي وشعره التي انتخبتها ذائقة الجاحظ عالية الشفافيه مضافاً اليها ما اودعه بين طيات هذا الكتاب من اراء نقدية متناثره شكلت فيما بعد حركة تقصي لاراهِ امتدت الى العصر الحديث ، ولذلك نرى ان اغلب علماء البلاغة قديماً والباحثين المحدثين ينطلقون من الجاحظ لاستقصاء تطور المصطلح البلاغي والتأسيس له حيث انه اول من وضع مصطلح البيان في حيز الدراسة البلاغية والنقدية ، وقد تحدث الجاحظ تحت عناوين ثلاثة البيان والبلاغة والخطاب وهي الكلام الجيد خطبة أو جدلاً أو حواراً أو قصصاً .
    أهتم الجاحظ في البيان والتبين بالأدب الشفاهي بكل الوانه وتفاصيله خاصة في مجال الاستدلال او المقارنة وهو بذلك لم يقتصر في البحث على الأدب وحده فقد وظف كل الامكانات الحضارية بما فيها ثقافةٍ وتاريخاً
    وفي الكتاب مادة وافره لدراسة عادات وتقاليد المجتمع العربي الاسلامي في ذلك العصر لان الجاحظ ألتزم الدقة في ايراد تلك التفاصيل وهذا من حضارية الكاتب انه اورد الألفاظ العاميه كما هي حتى انه شكى من ان الرسم العربي للحرف غير كافِ لتطوير كل الاصوات التي يريد كتابتها
    فالكتاب مصدر لعلماء اللغة المحدثين حيث انهم حين يبحثون في تطور الكلمات وتوزع اللهجات وظواهر اللحن ومواطن الخطأ وخصائص القبائل وفروق الدلالات وتطور المصطلحات في مختلف مجالات العلوم ممكن الافادة الكبيره ، من كتاب البيان والتبين حيث انه موضح هذه المفاهيم بطريقته الخاصة التي يترك المنهج فيها على الغارب فتجره الحكاية والظرافه الى التراجم والسير واللهجات والقبائل وماشابه ذلك فهو يستطرد يأخذ بلب القارئ وربما يتطلب هذا الامر جهداً أضافياً من الباحث إذ يفرض هذا الشكل الآناة في القراءة والمحاوره عليها للوصول الى التحليل الدقيق بمدلولات كل لفظٍ من الفاظِ هذا الكتاب
    ومن حضارية كتاب البيان والتبين هو تاثيره الكبير في حركة الثقافة في عصره حتى قيل عنه انه اشرف ماكتب ، فالمسعودي المؤرخ يقول :"انه جمع فيه من المنثور والمنظوم وغرر الاشعار ومستحسن الاخبار وبليغ الخطب مالواقتصر عليه مقتصر لاكتفى به
    اما ابو هلال العسكري فتحدث عنه في معرض حديثه عن البلاغه في كتاب الصناعتين فضائل الكتاب وعيوبه ، وهو يتحدث عن كتب البلاغة فقال :" وكان اكبرها واشهرها هذا كتاب البيان والتبين لابي عمرعثمان بن بحر الجاحظ ، وهو لعمري كثير الفائدة ، جمّ المنافع ، لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة ، والفقرة اللطيفة ، والخطب الرائعة ، والاخبار البارعة ، وما حواه من اسماء الخطباء والبلغاء ، ومانبه عليه من مقاديرهم في البلاغة والخطابة . وغير ذلك من فنونه المختارة " ونعوته المستحسنة ، الا أن الأبانة عن حدود البلاغة وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة في تضاعيفه ، ومنتشرة في أثنائه ، فهي ضالة عن الأمثلة ، لا توجد الا بالتأمل الطويل والتصفح الكثير " .
    ومن حضارية الكتاب أن ابن خلدون جعله واحداً من أركان الأدب الأربعة : أدب الكاتب لأبن قتيبة ، والكامل للمبرد ، والأمالي لأبي علي القالي ، والبيان والتبيين للجاحظ ، وقد أفاد منه كثيرون من جاءوا بعده فنقل عنه ابن قتيبه في " عيون الأخبار " والمبرد في " الكامل " وابن عبد ربه في " العقد الفريد " ، وأبو هلال العسكري في " الصناعتين " والحصري في "زهر الآداب " وابن رشيق القيرواني في " العمدة في صناعة الشعر ونقده " .
    تبين مماتقدم أن كتاب أن كتاب البيان والتبيين بما أمتلك من طاقة ابداعية هائلة أستطاع ان يحدث حراكاً ثقافياً واسعاً في عصره وفي العصور التي تلته ولازال يمتلك ممكنات بحثية في مختلف المجالات الأدبية بلاغياً ونقدياً وحتى تاريخياً وهذا مايؤكد أصالة الذهنية التي أنتجته والتي أودعت بعبقرية فائقة أهم عناصر البقاء في المنجز الأدبي وهي قابليته للقراءات الجديدة المستحدثة في مختلف العصور .

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أكتوبر 23, 2017 1:03 pm